ابن الجوزي
258
صيد الخاطر
ورأينا بعض أشياخنا وقد بلغ الثمانين وليس له أهل ولا ولد ، وقد مرض فألقى نفسه عند بعض أصدقائه يتكلف له ذلك الرجل ما يشتهيه وما يشفيه ، فمات فخلف أموالا عظيمة . ورأينا صدقة بن الحسين الناسخ ، وكان على الدوام يذم الزمان وأهله ويبالغ في الطلب من الناس ويتجفف « 1 » وهو في المسجد وحده ليس له من يقوم بأمره ، فمات فخلف فيما قيل ثلاثمائة دينار . وكان يصحبنا أبو طالب بن المؤيد الصوفي ، وكان يجمع المال ، فسرق منه نحو مائة دينار ، فتلهف عليها وكان ذلك سبب هلاكه . ومن أعجب أحوال الناس أنك ترى أقواما جلسوا على صفّة القوم يطلبون الفتوح ، فيأتيهم منها الكثير الذي يصيرون به من الأغنياء ، وهم لا يمتنعون من أخذ زكاة ولا من طلب . وكذلك القصّاص ، يخرجون إلى البلاد ويطلبون ، فيحصل لهم المال الكثير ، فلا يتركون الطلب عادة . فيا سبحان اللّه ! أي شيء أفاد العلم ؟ بل الجهل كان لهؤلاء أعذر . ومن أقبح أحوالهم لزومهم الأسباب التي تجلب لهم الدنيا من التخاشع والتناسك في الظاهر « 2 » ، وملازمة حث العزلة عن المخالطة ، وكل هؤلاء بمعزل عن الشرع . ولقد تأملت على « 3 » بعضهم من القدح في نظيره إلى أن يبلغ إلى التعرض به للهلاك . فالويل لهم ، وما أقلّ ما يتمتعون بظواهر الدنيا ، وإن كان مقلب القلوب قد صرف القلوب عن محبتهم ، لأن الحق عز وجل لا يميل القلوب الا إلى المخلصين « 4 » . فقد فاتتهم الدنيا على الحقيقة ، وهي مسك القلوب ، والآخرة بالانفاق ، وما حصلوا الا صورة الحطام . نسأل اللّه عز وجل عقلا يدبر دنيانا ، ويحصّل لنا آخرتنا ، والرزاق قادر .
--> ( 1 ) أي يطلب جاف العيش . ( 2 ) ولا يزال في عصرنا ناس يتاجرون بالدين ويأكلون به الدنيا . ( 3 ) هذه مثل قوله « اعتبرت على » . ولا أعرف لها وجها بالعربية الا بتأويل . ( 4 ) الا أن يكون ذلك استدراجا أو نحوه كالذي نراه من ميل قلوب العامة إلى المبتدعين الدجالين .